الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
320
نفحات الولاية
أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ » « 1 » . بل ورد في الحديث النبوي الشريف أنّ هذه الرحمة لمن السعة بحيث يتطاول عليها ويطمع بها حتى إبليس « ليغفر اللَّه يوم القيامة مغفرة ما خطرت على قلب أحد حتى إبليس يتطاول إليها » « 2 » كما جاء في الرواية : « أنّ للَّه مئة رحمة وقد أنزل واحدة منها إلى الأرض وقسمها بين مخلوقاته ، وإستأثر بتسع وتسعين إدخرها لعباده يوم القيامة » « 3 » . ولما كانت هذه الأمور تسوق الناس إلى العبادة ، قال عليه السلام : « ولا مستنكف « 4 » عن عبادته » وذلك لأنّ الاستنكاف عن العبادة لا يؤدي سوى إلى العذاب ، فقد قال القرآن بهذا الخصوص « وَأَمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً » « 5 » . ثم عد نعمتين أخريين عليه السلام فقال « الذين لا تبرج منه رحمة ، ولا تفقد له نعمة » فقد تكررت الرحمة والنعمة وكأن السابقة أشارت إلى أصل الرحمة والنعمة الإلهية ، بينما تحدثت العبارة اللاحقة عن دوام هذه النعمة وعدم انقطاعها ، وهذا ما ورد تأكيده في القران « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها » « 6 » . والطريف في الأمر أنّ هذين الوصفين في الواقع ذكرا كدليل على عدم استنكاف الناس عن عبادة اللَّه ؛ الأمر الذي تناوله علم الكلام تحت عنوان « شكر المنعم من دوافع معرفة اللَّه » . أمّا المفردات الرحمة والمغفرة والنعمة فهي وإن كانت مرتبطة مع بعضها إلّا أنّ مفاهيمها مستقلة ، فللرحمة معنى واسع يشمل كل فضل ولطف من اللَّه للعباد سواء عن طريق إفاضة النعم أو مغفرة الذنوب ، وبعبارة أخرى فانّ نسبة الرحمة إلى النعمة والمغفرة هي نسبة العموم والخصصوص المطلق ، بينما لكل من النعمة والمغفرفة مفهوم منفصل عن الآخر ، فالنعمة تختص بالإمكانات الوجودية التي تأخذ بيد الإنسان إلى السمو والكمال ، أمّا المغفرة فهي إزالة آثار الذنب وتعبيد الطريق بعد إزالة العراقيل .
--> ( 1 ) سورة الزمر / 53 . ( 2 ) في ظلال نهجالبلاغة 1 / 226 . ( 3 ) مجمع البيان ذيل تفسر بسم اللَّه الرحمن الرحيم من سورة الفاتحة . ( 4 ) « إستنكاف » من مادة « نكف » على وزن نظم بمعنى الابعاد ، والانتكاف بمعنى الخروج من أرض إلىاخرى ، والاستنكاف بمعنى الآباء والاعراض عن الشيء . ( 5 ) سورة النساء / 173 . ( 6 ) سورة النحل / 18 .